أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

437

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

ولم يبيّن ذلك ، وكأنه يريد أن قوله : « وَإِنْ يَتَفَرَّقا » معطوف على قوله : « فَلا جُناحَ » فجاءت الجملتان بينهما اعتراضا ، هكذا قال الشيخ « 1 » وفيه نظر ، فإن بعدهما جملا أخر فكان ينبغي أن يقول الزمخشري في الجميع : إنها اعتراض ، ولا يخص : « وَالصُّلْحُ خَيْرٌ » « وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ » بذلك ، وإنما يريد الزمخشري بذلك الاعتراض بين قوله : « وَإِنِ امْرَأَةٌ » وقوله : « وَإِنْ تُحْسِنُوا » فإنهما شرطان متعاطفان ، ويدلّ عليه تفسيره له بما يفيد هذا المعنى فإنه قال : « وإن تحسنوا بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن وتتقوا النشوز والإعراض » انتهى . والألف واللام في « الصُّلْحُ » يجوز أن تكون للجنس وأن تكون للعهد لتقدّم ذكره نحو : فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ « 2 » . و « خَيْرٌ » يحتمل أن تكون للتفضيل على بابها والمفضّل عليه محذوف فقيل : تقديره : من النشوز والإعراض ، وقيل : خير من الفرقة ، والتقدير الأول أولى للدلالة اللفظية ، ويحتمل أن تكون صفة مجردة أي : والصلح خير من الخيور ، كما أنّ الخصومة شرّ من الشرور . قوله : وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ « حضر » يتعدى إلى مفعول ، واكتسب بالهمزة مفعولا ثانيا ، فلمّا بني للمفعول قام أحدهما مقام الفاعل فانتصب الآخر . والقائم مقام الفاعل هنا يحتمل وجهين : أظهرهما - وهو المشهور من مذاهب النحاة - : أنه الأول وهو « الْأَنْفُسُ » فإنه الفاعل في الأصل ، إذ الأصل : « حضرت الأنفس الشحّ » . والثاني : أنه المفعول الثاني ، والأصل : وحضر الشحّ الأنفس ، ثم أحضر اللّه الشحّ الأنفس ، فلما بني الفعل للمفعول أقيم الثاني - وهو الأنفس - مقام الفاعل ، فأخّر الأول وبقي منصوبا ، وعلى هذا يجوز أن يقال : « أعطي درهم زيدا » و « كسي جبة عمرا » ، والعكس هو المشهور كما تقدّم ، وكلام الزمخشري يحتمل كون الثاني هو القائم مقام الفاعل فإنه قال : « ومعنى إحضار الأنفس الشحّ أنّ الشحّ جعل حاضرا لها لا يغيب عنها أبدا ولا ينفك » يعني أنها مطبوعة عليه ، فأسند الحضور إلى الشح كما ترى ، ويحتمل أنه جعله من باب القلب فنسب الحضور إلى الشحّ وهو في الحقيقة منسوب إلى الأنفس . وقرأ العدوي : « الشحّ » بكسر الشين وهي لغة . والشّحّ : البخل مع حرص فهو أخص من البخل . قوله تعالى : كُلَّ الْمَيْلِ : نصب على المصدرية ، وقد تقرر أن « كُلَّ » بحسب ما تضاف إليه ، إن أضيفت إلى مصدر كانت مصدرا ، أو ظرف أو غيره فكذلك . قوله : « فَتَذَرُوها » فيه وجهان : أحدهما : أنه منصوب بإضمار « أن » في جواب النهي . والثاني : أنه مجزوم عطفا على الفعل قبله أي : فلا تذروها ، ففي الأول نهي عن الجمع بينهما ، وفي الثاني نهي عن كلّ على حدته وهو أبلغ ، والضمير في « تذروها » يعود على المميل عنها لدلالة السياق عليها . قوله : « كَالْمُعَلَّقَةِ » حال من « ها » في « تذروها » فيتعلق بمحذوف أي : فتذروها مشبهة المعلقة ، ويجوز عندي أن يكون مفعولا ثانيا لأن قولك : « تذر » بمعنى « تترك » و « ترك » يتعدّى لاثنين إذا كان بمعنى صيّر .

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 364 ) . ( 2 ) سورة المزمل ، الآية ( 16 ) .